محمد بن جرير الطبري
444
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قصد بهذا الخبر إخبارَ اليهود الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هذه ، بقبيح فعالهم وذميم أخلاقهم ، واستيجابهم سخطه بكثرة ذنوبهم ومعاصيهم ، حتى مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير ، خطابًا منه لهم بذلك ، تعريضًا بالجميل من الخطاب ، ولَحَن لهم بما عَرَفوا معناه من الكلام بأحسن اللحن ، ( 1 ) وعلَّم نبيه صلى الله عليه وسلم من الأدب أحسنه فقال له : قل لهم ، يا محمد ، أهؤلاء المؤمنون بالله وبكتبه الذين تستهزئون منهم ، شرٌّ ، أم من لعنه الله ؟ وهو يعني المقولَ ذلك لهم . * * * القول في تأويل قوله : { وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ ( 61 ) } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا جاءكم ، أيها المؤمنون ، هؤلاء المنافقون من اليهود قالوا لكم : " آمنا " : أي صدّقنا بما جاء به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم واتبعناه على دينه ، وهم مقيمون على كفرهم وضلالتهم ، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم ويُضمرونه في صدورهم ، وهم يبدون كذبًا التصديق لكم بألسنتهم = " وقد خرجوا به " ، يقول : وقد خرجوا بالكفر من عندكم كما دخلوا به عليكم ، لم يرجعوا بمجيئهم إليكم عن كفرهم وضلالتهم ، يظنون أن ذلك من فعلهم يخفى على الله ، جهلا منهم بالله = " والله أعلم بما كانوا يكتمون " ، يقول : والله أعلم بما كانوا - عند قولهم لكم بألسنتهم : " آمنا بالله وبمحمد وصدّقنا بما جاء
--> ( 1 ) أي : عرض لهم بأحسن التعريض والإيماء .